لم يكن المحتل الفرنسي يهدف إلى السيطرة على البلاد العربية ونهب ثرواتها والتسلط على أهلها فحسب بل كان يرمي إلى اقتلاع التاريخ وطمس الهوية والقضاء على الشخصية ومحاربة الدين واستبدال لغته باللغة العربية وثقافته بثقافتها.
واستخدم الاستعمار في تحقيق ذلك كل ما يملك من وسائل وإمكانيات منذ أن وطأت أقدامه أرض الجزائر فاستولى على معظم معاهد التعليم الجزائرية وحولها إلى ثكنات عسكرية أو معاهد فرنسية بعدما استولى على الأوقاف التي كانت تنفق على هذه المؤسسات التعليمية حتى يقضي عليها تماما وقام بفرنسة الإدارة وجميع مراحل التعليم حتى يبعد اللغة العربية و تصبغ الحياة الجزائرية بالطابع الفرنسي كما عمد إلى تشويه التاريخ الجزائري فحرم الجزائريين من دراسة تاريخهم دراسة سليمة ووافية في الوقت الذي كانوا يدرسون فيه التاريخ الفرنسي كاملا في جميع المدارس.
لكن لما كان لهذه الأمة مكانة علية ومنزلة رفيعة قيض الله لها رجالا نقادا حفاظا
فقهاء ورعين متيقظين حفظوا تراثها من التلوث بضلال المضلين وتولوا حمايتها من أهل
البدع والأهواء والزندقة فكان العالم الدكتور محمد بن أبي شنب الذي وجد في نفسه
القدرة على أن يخدم أمته ويوفي بعض الدين إلى المكتبة الإسلامية المجيدة التي
أمتعته ساعات طوال من عمره وفتحت له أبواب رياضها وصدور خزائنها وأطلعته على
جواهرها وذخائرها وما كان أحد يظن أن تخرج هذه الأرض المحتلة رجلا مثله يتقن
الفرنسية ولغات أخرى ولا يغفل عن الأخذ من علوم العرب والإسلام فكان من عداد صانعي
هذه الثقافة العظيمة وأبى إلا أن يتصدى للهدامين العابثين من أعداء الأمة العربية
والإسلامية في حاضرها ومستقبلها.
وصفه خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام بالعالم والأديب و أستاذ اللغة العربية في
كلية الجزائر تركي الأصل عربي المنبت واللسان ولد بقرية المدية - بجنوب الجزائر
التي تبعد عن العاصمة بنحو 90 كيلومترًا يوم الثلاثاء الموافق 10 رجب 1286 هـ = 26
تشرين أول 1869م نشأ وترعرع في أسرة تعود جذورها إلى مدينة بروسة التركية وكانت على
جانب من الغنى واليسار وتعمل بالزراعة وقد عنيت هذه الأسرة بتربية ابنها وتعليمه
فحفظ شيئا من القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ثم التحق بالمدارس المدنية التي
أنشأتها فرنسا وفق خطتها في نشر ثقافتها فتعلم الفرنسية وقرأ آدابها وتاريخها وبعد
أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بمدرسة دار المعلمين الفرنسية بـأبي زريعة بالقرب من
الجزائر وقضى بها عامًا للدراسة تخرج بعدها مجازًا بتعليم اللغة الفرنسية وآدابها
في المدارس الابتدائية.
وشغف باللغات فأحسن الفرنسية وألم بالإيطالية والألمانية والاسبانية والتركية مارس
التعليم طول حياته ومنحته الجامعة الجزائرية لقب دكتور في الآداب وقيل هو أول من
نال هذا اللقب في الوطن العربي من جامعة عربية وكان من أعضاء المجمع العربي العلمي
بدمشق صنف وحقق كتبا كثيرة منها :
1. تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب 1906 و 1928
2. شرح لمثلثات قطرب 1906
3. أبو دلامة وشعره وهو أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه التي حصل عليها سنة 1924 حيث
قدمها مع أطروحة أخرى وهي الألفاظ التركية والفارسية الباقية في اللهجة الجزائرية
4. الأمثال العامية الدارجة في الجزائر وتونس والمغرب 3 أجزاء 1907
5. الألفاظ الطليانية الدخيلة في لغة عامة الجزائر ( لا زال مخطوطا )
6. فهرست الكتب المخطوطة في خزانة الجامع الأعظم بالجزائر 1909
7. معجم بأسماء ما نشر في المغرب الأقصى (فاس) من الكتب ونقدها 1922
8. خرائد العقود في فرائد القيود 1909
وغيرها من الكتب والمؤلفات وقد حقق وصحح العديد من كتب التراث العربي منها :
1. البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان لابن مريم التلمساني عام 1908
2. عنوان الدراية فيمن عرف من علماء المائة السابعة في بجاية للغبريني 1910
3. الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية 1920
4. الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية
5. وصايا الملوك وأبناء الملوك من أولاد الملك قحطان بن هود النبي مع تعليقات
عليه
6. شرح ديوان عروة بن الورد لابن السكيت 1926
وفي رأيي أن الدكتور العلامة محمد بن أبي شنب لم يكن مثقفا أكاديميا فحسب بل كان
يحمل بين أضلعه هموم أمته الإسلامية والعربية الذي لم يجد السبيل إلى إعلانها
وإذاعتها في الناس إلا أن يعمل بتقية واستراتيجية عميقة فقد جمع وحقق شيئا من تراث
أمته لا ليطلع عليه المستشرقون فحسب بل من أجل نشره بين أهله لتنوير وتثوير أذهان
العامة مستغلا الوسائل المتاحة من مناهج علمية ومطابع والتي كانت حدثا عظيما في ذلك
العهد خاصة إذا علمنا أن المخطوطات العربية غالبها كان بين أيدي المستعمر الفرنسي.
وكان ينافس المستشرقين في سره وعلانيته إذ كان يرى أنه أولى من غيره بالتكفل بأمر
المخطوطات لحمايتها من التزوير والتشويه وذلك بالتدقيق والتحقيق ثم بالنشر .
وبقي الدكتور على منهجه هذا إلى أن أصابه مرض أعيا الأطباء مدة شهر كامل ووفاه
الأجل يوم الثلاثاء 5 شباط 1929 عن عمر يناهز ستين سنة وكان من عجائب الصدف وغرائب
الاتفاق أن كان آخر دروسه بالجامعة رحمه الله تعالى كان في شرح هذين البيتين من
قصيدة مشهورة لأبي العلاء المعري :
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد *** ودفين علـــــى بقايـا دفين فــي طويل الأزمان والآباد
لقد كان يوم جنازته يوما مشهودا خرج فيه المسلمون والنصارى , العرب والأجانب يجمعهم حزنهم على فقدان عالم قلما يجود الزمان بمثله, وقد حضر أيضا رئيس الجامعة ونائبه ونائب الوالي العام وأساتذة الكليات الأربع بملابسهم الرسمية وباقي مدرسي المدارس وعميد الآداب وأعلام البلد . وأقيمت له حفلة تأبين في الأربعين لوفاته بضريحه وتكلم فيها جماعة من العلماء والأدباء والشعراء والمدرسين وفي تأبينه قال مدير كلية الآداب في جامعة الجزائر : إن المنهج الذي نهجه ابن أبي شنب يدل دلالة واضحة على مقدار ما يستطيع أن يعمله العقل والعمل في الارتفاع من أصغر المناصب إلى أعظمها وإني أود أن يوقر هذا المنهج شباب هذه البلاد وشباب فرنسا نفسها .
إحياء لذكرى هذا العالم الجليل وتحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة أقامت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر والمركز الجامعي د. يحيى فارس بالمدية ومعهد اللغات وعلوم الإعلام والاتصال:
الملتقى الدولي الأول للعلامة محمد بن أبي شنب أيام 2-3-4 ماي 2006
حيث كانت البداية مع تلاوة آيات مباركة من القرآن الكريم ثم نشيد السلام الوطني ثم كانت كلمة للدكتور سعدان شبايكي مدير المركز الجامعي وكلمة والي الولاية في المدية مسقط رأس العلامة ثم كلمة ممثل رئيس الجمهورية التي أعلن فيها عن افتتاح الملتقى رسميا.
و بعد الإعلان الرسمي عن افتتاح أشغال الملتقى كانت هناك أكثر من 31 مداخلة وأكثر من 18 ورشة عمل موزعة على ثلاثة أيام نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كلمة مديرة معهد اللغات وعلوم الإعلام والاتصال رئيسة الملتقى الدكتورة فتيحة بولفراد أبو ذرة التي رحبت بالحضور والضيوف وحملت مداخلتها العنوان التالي:
Tirologie dans la thèse de doctorat de mohamed bencheneb